Image Not Found

“الانفتاح” المزعوم، ومن يتبنّاه ومن يقاومه…

إرشاد بن موسى اللواتي

يتركز الصراع الثقافي ويتسارع في الاتساع، في عصرنا، في مجال الممارسات المجتمعية والدينية بالدرجة الأولى. فقد لا يمر يوم ولا حتى ساعة إلا وتمر علينا تغريدة أو تغطية صحفية أو مقال أو مقابلة أو كتاب يبحث في الموضوع.
ومن الواضح جداً أن بداية السجال تكون بطرح ناقد للموروث والممارسات الراسخة في الطبقة المحافظة على التديّن والعادات والتقاليد التي لا شك أن ثقافتها فيها عناصر متداخلة ومتماوجة من الدين والتراث الاجتماعي. ويبدو أن القاعدة الثابتة – إلا ما ندر – لمركز انطلاق ذلك النقد أن يأتي ممّن اختلط بالغرب، إما من خلال اغتراب للدراسة ونحوها، أو تشغيل للكوادر العربية المسلمة في شركات غربية (تصنّف “عالمية”!) التي تفرض ثقافتها على العاملين بها ترغيباً وترهيباً، فمرتباتها ومزايا الانخراط فيها، الأعلى من قريناتها الوطنية تجتذب النخبة وتستبقيها بالانصياع للسياسات المرسومة. والمدخل الآخر لتسريب تلك التوجهات هو الصحافة والإعلام والعناوين الثقافية والمنتديات والمؤتمرات الذكية التي تستهدف تصدير الثقافة. ولا شك بأن الممكّن لنجاح تلك الآليات هو التدجين الأسبق للحكومات بقبول وتبنّي كل ذلك كعنوان لنشر الثقافة. ويتترجم نجاح ذلك البرنامج لدرجة أن يصبح عنوان “المثقّف” منطبقاً على من ينخرط في التلبّس بمظاهر إتقان لغات الغرب والتقليد لممارساته ومطالعة كتبه… وإلى درجة أن يتنافس الأهالي والتبجح بأن “أولادهم يتحدثون بينهم باللغة الأجنبية”.
والقصد ليس تحريم إتقان اللغات الأجنبية – ومنها الغربية، أو الاطلاع على ثقافتهم وعلومهم، فأنا والحمد لله حظيت ببعض ذلك. ولا شك في أن “من عرف لغة قومٍ أمِن شّرهم”!
على قمة البرنامج الذي نشهد كونه قيد التنفيذ في كافة أرجاء المعمورة هو نشر “المثلية” واعتبارها حالة مقبولة في المجتمعات البشرية، حيث تبذل الحكومات الكبرى قصارى الجهود لإرغام كل الدول بتبنّي البرامج الإعلامية وتعديلات القوانين وفرض الأمر الواقع لإرضاخ المجتمعات ةالشعوب. بل ويتم استغلال النفوذ في كبريات الشركات “العالمية” للإسناد في ذلك بتبنّي ونشر الشعارات حيث يكون لها نشاط، وهنا لا أستثني أي قطاع اقتصادي تتواجد فيه تلك الشركات. وربما يكفي هذا القدر على عنوان “المثلية”، وإلا لاختطف منا بقية المقال لخطورته وتعقيداته.
والأمثلة المثيرة تحت عنوان الانفتاح كثيرة جداً، حيث تتغلغل في كافة الأمور الحياتية، فلها حضور على الصعيد الاقتصادي والتجاري، والديني والفكري والأخلاقي، والثقافي والإعلامي، والأكاديمي والفني، وما يسمّى “حقوق الحيوان” التي تقدّم على حقوق البشر الذين يتعامل معم الغرب كحشرات ضارّة يجب التخلص منها دون أن يرفّ لدمائم الجفن، وغيرها وغيرها.
فالذين يطرحون “الانفتاح” كغاية يتوقعون المجتمع أن يقبل بها، فأولئك يبدأون في العادة بفرز أنفسهم كطبقة “مثقفة”، يحدوهم الأمل بأن ينخرط المجتمع بأكمله في مسارهم، المسار الذي يتخذ – في العادة – قاعدة من “العلمنة” (مرجعية العلم مقابل الدين) و”الحداثة” (التطور الفكري بخلع الموروثات) وما إلى ذلك.
وينسى أو يتناسى أولئك العلمانيون والحداثيون بأن ثقافة المسلمين عبر العصور لم ترغض التعرف على خلاصة علوم غيرهم، فترجموا الكتب وتفاعلوا مع الشعوب وتزاوجوا معهم، والذي انتهى بتكوين ثروة عظيمة من العلم والمعرفة وتم تصديرها مباشرة ومن خلال التوسع الجغرافي لخارطة العالم الإسلامي، إلى الغرب وغيره. واستمرار التخالط الثقافي دليل رقيٍّ حضاريّ أساسه الدين الذي وصّى أتباعه بإثراء معارفهم بكل مفيدٍ وإن كان مصدره خارجياً. ولكن لا يجوز أن، ولم يكن ليحرف بوصلة المرجعية عن مبادئ الدين وأسسه، فالوارد من الجديد يُعرض على الدين، فإن وافق فبابه مفتوح للتمسك به وأصبح مما يرحب بتبنّيه، وإن خالف فبابه مغلق ويحال إلى قائمة ما يجب تفاديه وإيقافه عن التغلغل في المجتمعات. وذلك هو في الأساس الدور الذي يجب على “المثقف” تبنّيه.
ولكن للأسف، الذي يسمى الانفتاح في غالب الأحيان هو في الحقيقة مواكبة وتقليد للتقليعات التي ينشرها الغرب لإفساد شعوبه وتطويعها بالدرجة الأولى، وقهر شرف وكرامة شعوب العالم حتى تسهل السيطرة عليها وجرها في الاتجاه المراد، حتي يتسنى سرقتها بالاستغفال وكسر الشوكة.
وكما أورد الله عز وجل في كتابه الحكيم، فإن الأمم التي وقع عليها عذاب الله لم تشفع لها إنجازاتها العلمية والحضارية المادية عندما خالفت سنن الله. ومقياس تقدم البشر لا يمكن أن يكون على حساب تطهير النفوس والرقي الأخلاقي الذي يهدف إليه الدين “إنّما بُعِثت لأُتمّمَ مَكارمَ الأخْلاقِ”. وتلك هي المرجعية الأولى!